More

البساطة .. قاتلة، أحياناً

البساطة .. قاتلة، أحياناً

إشتريت جهاز Ipad Air 2، إيه. شريته علشان اقرأ الروايات والكوميكز والمانجا بأفضل طريقة ممكنة، وفعلاً، الجهاز حتى الآن مأدي هدفه بشكل أكثر من رائع. شاشة ممتازة، وخصائص، وسلاسة قرائة ممتازة جداً.

بس قبل يومين، حصل شيء .. ماكنت مخطط له، وهو أني بدأت أبحث عن “الألعاب” بداخل هذا الجهاز. و .. ياريتني ما بحثت، تحطّمت بشكل شديد بصراحة.

ثقافة عالم الألعاب في إنحدار سيء للغاية، أو خلّوني أكون دقيق .. ثقافة “الناس” في “معيشة حياتها” أصبحت منحدرة بشكل .. غير طبيعي.

بجانب بعض الفيديوهات اللي شفتها بالفترة القريبة الماضية، وبجانب بعض المعلومات والأرقام. الناس قاعدة تعيش في حياة خطيرة بعض الشيء، ومدري .. مدري وش بيصير في المستقبل.

نبدأ؟ لا.

سعادتي؟ .. بساطة.

لما نرجع لتاريخ الإنسانيّة القديم، فراح نجد بأنهم متميّزين بحاجة أسمها “الجهد” في الشيء اللي يسوونه.

أثناء الحروب العالميّة، وأثناء فترات الإنسانيّة السيئة عموماً، كل شيء كان “صعب” الحصول عليه. الراحة، السعادة، الطمأنينة .. الأمن والأمان، النجاح، كل شيء كان مجهد بشكل مبالغ فيه. الإنسان الواحد يضحّي بحياته وماله، وطاقته وروحه ووقته علشان يخلي عياله عايشين بأمان، علشان على الأقل، أولاده يدخلون للمدرسة، ويتعلّمون، ويفطرون الصبح، ويتعشون .. قبل النوم.

كان كل شيء مجهد، ماكان فيه شيء أسمه “دافع” أو “رغبة” .. بل كانت فيه “واجبات”. الشخص لما يعمل حاجة معيّنة، فهو مايسويّها لأجل “الطموح” أو “الدافع”، بل يسويها لإنه “واجب” عليه أنه يسويها .. فقط لا غير.

كانت حياة مليئة بالإتقان، مليئة بالعمل، بالجهد، بالهدف الحياتي اللي بيتحقق، بتوفيق الله سبحانه وتعالى أولاً، ثم بعمل الناس وجهدهم. بإختصار .. هذي الحياة كانت فاقدة لشيء أسمه “البساطة”، تماماً.

بعد هذي الحياة والمعاناة، بعد ما إجتهدو أجدادنا في عمل كل شيء لأجلنا .. وصلنا لحياة “التقنية”، اللي بدأت بفكرة “السرعة” في عمل بعض الأشياء، سنة بعد سنة .. إنتقلت هذي التقنية إلى فكرة “السيطرة” الكلّية على الإنسان، واللي صار ما يرضى بحياته إلا إذا كانت “بسيطة” وغير معقّدة .. من خلال التقنية طبعاً.

بدأت تختفي الأشياء “اليدويّة” يوم ورا يوم، وصارت التقنية هي المالكة لكل شيء. صحيح، تبقى اليدويّة لها قيمة حتى الآن، بس .. صارت نادرة، نادرة للغاية، وللأسف، صاحب اليدويّة أصبح فكره “قديم” وغير حديث .. إيه نعم، صرنا ننتقده ونضحك عليه.

هذي البساطة\التقنية سيطرت علينا بشكل كبير لدرجة وصولنا إلى “الراحة” المبالغ فيها، صرنا نحب نرتاح ونجلس في البيت 24 ساعة. نطلب أكلنا من المطاعم عن طريق الأنترنت، نسولف مع أصدقائنا بسكايب وتويتر، “نتناقش” بالمواقع الإجتماعية، نقدّم يوميّاتنا عن طريق السناب شات، ونتعشّى ونتغدّى مع أصحابنا عن طريق تصوير أكلنا بالإنستجرام .. وبدلاً من أننا نلعب ببيت واحد، صرنا نلعب وحيدين، كل واحد في بيته، حتّى لو كان بيت صديقي بجانب بيتي، ببساطة .. ليش يجي؟ ماله داعي.

صار الشخص “يطمح” بأنه يحقق حلمه عن طريق شيء أسمه “الدوافع”، الرغبات، والمفاهيم الجديدة اللي تم إنتاجها في هذا العصر “البسيط” الجديد، وفي النهاية؟ ما يحقق شيء من حلمه، لإن الموضوع ما يتعلّق بـ “الدوافع” بقدر ما أنه يتعلّق بالتضحية، والجهد الحقيقي، دقيقة ورا دقيقة، ساعة ورا ساعة.

ولهذا السبب، جيل 1990 إلى 1992 –واللي وصلو إلى سن العشرين حاليّاً- يعتبرون “أسوء” جيل مرّ على تاريخ الإنسانيّة .. إبحثو عن المعلومة –بالمناسبة، المقصود هم شباب وبنات العالم أجمع، مو العرب بس-.

الدراسة صحيحة ومتقنة جداً. إحنا إفتقدنا لأهم العوامل الرئيسية في الحياة وهي “الصعوبة”، الحياة بلا صعوبة .. غير لذيذة. شعور الإنجاز يصبح ضعيف جداً جداً، حتّى الجهد بذاته يصير بلا قيمة. كيف تعتبر نفسك “مجتهد” وأنت في هذا العصر السهل للغاية؟

الرجل ما يشعر بقيمة المرأة والزواج منها .. لإنه يشوف أفلام إباحية\فيديو كليبات\ مسلسلات\ أفلام لأجمل نساء العالم، المرأة كذلك، ما تشعر بقيمة الرجل لنفس الأسباب. الشخص يصبح “غير قادر” على الجهد، ليش أجتهد وأنا قادر على أني أعيش أمام الكمبيوتر والشاشة، وأستمتع بكل الحاجات اللذيذة في حياتي، من دون تعب؟

ليش أتحرّك وأطلب من المطعم؟ ليش أطبخ حتّى؟ ليش أقابل أصدقائي؟ ليش أطوّر من نفسي؟ العالم كلّه ببساطة صاير أمامي، وأقدر بضغطة زر أني أحصّل على كل شيء من دون إجتهاد .. حتّى “المال” أصبح الحصول عليه سهل، ومع الوقت، بيصير أكثر سهولة أيضاً.

أعشق التقنية، أحبّها .. لكني أكره “سلبياتها” مثل ما المفروض أننا نكرهها أيضاً. عالم التقنية والبساطة جعلنا غير قادرين على تجربة “الحياة” بمعانيها الكاملة، جعلت وجوهنا وملامحنا الجميلة –اللي من المفترض أنها تكون مشاهدة للحياة- تكون مشاهدة لـ “شاشة إلكترونيّة” معيّنة، طوال اليوم، سواءً الكمبيوتر، الجوال، أو الكونسول.

هذي الحياة البسيطة أثّرت على عالم الألعاب ومستواها بشكل سلبي، كيف؟ نشوف.

سوو لي كل شيء!

إذا حابين تستمتعون بالفيديو بالكامل؟ فتفضّلو، بس النقطة اللي حاب أركّز عليها هي من الدقيقة 22:37 تحديداً. وجهة نظرهم عن دارك سولز بشكل عام –وحاب أحذّر، الفيديو يحتوي على بعض الألفاظ السيئة، للي أعمارهم صغيرة، يفضّل عدم المشاهدة-.

بجانب جميع المديح اللي ذكرناه لدارك سولز، أضيف أيضاً أن دارك سولز هي من “قلّة” الألعاب اللي لازالت متمسّكة بـ “تعقيد” صناعة الألعاب الماضية، في التحرّك، التحدّيات، الشعور بالإنجاز، وما إلى ذلك.

بس للأسف .. الفيديو يوضّح لي فكر “الجيل الجديد” لرغبتهم الألعابية، سواءً في نهاية الفيديو برأيهم اللي ذكروه، أو في منتصف الفيديو أثناء لعبهم للعبة .. واللي يثبت تجربتي لجهاز الآيباد للأسف.

معظم اللاعبين “الجدد” غير قادرين على “التحكّم” بشكل كامل بشخصية اللعبة “الهاردكورية”، وإتقان قوانين عالم الألعاب –الفيزيائية، والتصميمية- كما ينبغي. ليش؟ لإن اللعبة “أصعب” من قدرتهم على التحكّم فيها ..

ركّزو على العبارة اللي قلتها، ما أتحدّث عن “هزم” الزعيم، أو قتل الأعداء –واقعيّاً، مو كل شخص قادر على قتل زعيم بدارك سولز، بغض النظر عن تاريخه بعالم الألعاب-، أتحدّث عن “التحكّم العادي” للعبة. اللاعبين الجدد غير قادرين على فعل ذلك، يقدرون في لعبة واحدة؟ ممكن، بس في معظم الألعاب –خصوصاً الهاردكورية-؟ لا.

مو الألعاب وحدها اللي تغيّرت، بل “اللاعبين” اللي تغيّرو. من ألعاب كانت تعتمد على الذكاء الهندسي والتصميمي، على الضخامة والعوالم المختلفة، وكانت تبيع ملايين وملايين النسخ، إلى ألعاب ما يتم تقبّلها، لإن بعض اللاعبين .. ماهو قادر “يتحكّم” أو “يتذكّر” تحكّم اللعبة.

وش السبب؟ البساطة المتزايدة.

لما لعبت بالآيباد بالأيام اللي فاتت، تفاجئت من نقطة .. غريبة جداً. نقطة سيئة إذا واصلت في نجاحها المتتالي؟ فراح تسبب مشكلة في ألعابنا بالفترة المقبلة، وهي .. البساطة المبالغ فيها للتحكّم باللعبة.

لازم نعرف نقطة مهمّة، وهي، أن عالم الألعاب عبارة عن “رياضة” متجددة. عبارة عن إتقان “تصرّفاتي” يعمل عليه اللاعبين بشكل دائم، ولهذا السبب، سنة بعد سنة نجد اللاعبين يتقنون ألعابهم أكثر وأكثر.

اليوم، ممكن تعتبر دارك سولز صعبة، بس بكرة؟ بتعتبرها سهلة جداً. إكتشافك لنقاط ضعفها، إكتشافك لميكانيكيّتها، والأهم من ذلك، إتقانك لها، جعلتها سهلة، وأي لعبة مشابهه لها سهلة أيضاً، على عكس أول تجربة .. واللي كانت جحيمية.

بس، لمّا تتعوّد من الصغر على “لمس” الشاشة، وعلى “إستقبال” المعلومات من قبل اللعبة .. وكأن اللعبة حرفيّاً هي اللي “تلعب” عنك، فهذا يعني بأن تجربة “دارك سولز” بالنسبة لك ماراح تكون جحيمية وبس، بل راح تكون شيء معقّد يحتاج له أيام .. يمكن أسابيع، علشان تتقنها وتتفهمها.

عقليتك راح تصير بسيطة، تصرّفاتك، تقبّلك لـ “التحدّي” والصعوبة بيصيرون ضعيفين جداً، بتصير إنسان “كسول” عقليّاً، وتفضّل أنك تشاهد كل شيء أمامك. ليش أتعب نفسي بلعب اللعبة والتحكّم بالشخصية، وأنا قادر على لمس الشاشة فقط في ألعاب أخرى؟

لمّا كنت ألعب بالآيباد، ما أبالغ لو قلت بأن “كل” الألعاب كانت تلعب عنّي .. وتساعدني على كل تصرّف أسويه. أصلاً .. ميزة “التحرّك” –واللي تعتبر إحدى أساسات عالم الألعاب الفنّية، لعبة بلا تحرّك؟ هي ليست بلعبة- ماهي موجودة بهذي الألعاب إطلاقاً. اللعبة تتحرّك عنّك، وتأمرك بـ “اللمس” في أهم اللحظات الحماسية –علشان تستانس وتدمن-، وبس .. واصل على ذلك.

مافيه جهد، أبداً .. اللعبة تطلب منّك اللمس فقط، وأنت عليك المشاهدة والإنتظار. مشاهدة التحرّكات، الإنجازات، النتائج .. كل شيء، وفي النهاية؟ اللعبة بتعطيك “فرصة” علشان تلمس، وكأنها تشعرك بأنك فعلت شيء .. إبداعي، وأنت مسؤول عنّه، وهي فقط مجرّد لمسة.

هنا، اللاعب ماهو قاعد يلعب باللعبة! بل بالأصح .. قاعد “يشارك” اللعب. معظم –إذا ما قلت كل- ألعاب أجهزة الجوّال قاعدة تحاول بقدر الإمكان أنها “تشاركك” اللعب بنفسها، وما تخلّيك وحيد. لو توقفت للحظات بداخل لعبة معيّنة، لوجدت أن اللعبة نفسها راح تجي مستعجلة وتنقذك من التوقف مباشرةً .. وكأنك طفل منت حاب أنك “تفكّر” أبداً، ولا تحس بالمسؤولية.

الألعاب نفسها “خايفة” من وضعك بالمسؤولية، خايفة بشكل مبالغ فيه أنك تكون في موقف “المفكّر” حتى ولو للحظة واحدة .. خايفة أنك “تتضايق” أو “تتعب” نفسك بأي شكل، لدرجة أن بعض الألعاب حذفت النظام القتالي تماماً وجعلته “أتوماتيكي”، اللي عليك أنك تختار المرحلة، وباقي القتال؟ على اللعبة نفسها.

“اللعب” نفسه أصبح “بسيط” مثل ما حياة الناس أصبحت “بسيطة” .. بشكل مبالغ فيه، أو .. خلّوني أقولها بـ “العامّي” أكثر:

اللعب نفسه أصبح “دلّوع” مثل ما حياة الناس أصبحت “مدلّعة” .. بزيادة.

وأكرر، مدري وش بيصير بالمستقبل ..

تباً لسلبيات التقنية.

Tags
Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker